ابن حزم
200
رسائل ابن حزم الأندلسي
ما في ذلك أن تجيب على أحد وجهي الكلام اللذين هما إما نفي المخبر عنه جملة وإما نفي الصفة عنه ، فتكون مجيبا قبل تحقيق السؤال وتصحيحه ، فيلزمك نقص الفهم والجور في الحكم . وإذا أردت نفي ما أوجب خصمك نفيا تاما صحيحا فلا بد لك من أنك إنما تريد نقض بعضه أو نقض كله ، فإن أردت نقض بعضه فبيّن ذلك ، وإن أردت نقض كله فلا بد من أن يجمع كلامك ثمانية شروط وإلا فليس نقضا تاما : أحدها « 1 » : أن يكون الموضوع فيما أوجب هو وفيما نفيت أنت واحدا ، فإن كانا اثنين وقع الشغب ، وذلك مثل قول القائل : الموجود محدث ، فيقول الآخر : الموجود ليس محدثا ، فهذا فساد في بنية الكلام ، وليس أحد الكلامين نقضا للآخر ، لأن الباري عزّ وجل موجود ، وليس محدثا ، والعالم موجود وهو محدث ، ونحو ذلك عرض لأصحابنا من أهل السنة والمعتزلة فإنهم أكثروا التنازع والخوض حتى كفّر بعضهم بعضا ، فقالت المعتزلة : القرآن مخلوق ، وهم يعنون العبارة المسموعة ، وقال أصحابنا : القرآن لا مخلوق « 2 » ، وهم يعنون علم الباري عزّ وجل . والثاني : أن يكون المحمول الذي أوجب أحدهما هو المحمول الذي نفى الآخر لا غيره أصلا ، وذلك مثل قائل قال « 3 » زيد عالم ، فقال مخالفه : زيد ليس بعالم ، فإن عنى أحدهما عالما بالنحو ، وعنى الآخر عالما بالفقه تتناقض قضيتاهما . والثالث : أن يكون الجزء الذي فيه استقر الحكم من الموضوع واحدا في كلتا القضيتين لا غيره كقائل قال : زيد أسود ، يريد أسود الشعر ، فيقول الآخر : زيد ليس بأسود ، يريد اللون أو العين . والرابع : أن يكون الجزء من المحمول في القضيتين واحدا لا متغايرا كقائل قال « 4 » : زيد ضعيف ، فيقول الآخر : زيد ليس بضعيف ، يريد أحدهما ضعف الجسم بالبنية الكلية ، والآخر نفي ضعف الجسم بالمرض الذي هو جزء من أجزاء [ 40 و ] الضعف . والخامس : أن يكون الزمان الذي أثبت فيه أحدهما ما أثبت هو الزمان الذي نفى فيه الآخر
--> ( 1 ) م : وهي ؛ ثم حذف العدّ واستعمل لفظة « ومنها » . ( 2 ) وهم يعنون . . . مخلوق : سقط من س . ( 3 ) س : مثل قول القائل . ( 4 ) س : كقول القائل .